تابع منتدى الاقتصاد العربي في دورته السابعة عشر، والذي تنظمه مجموعة الاقتصاد والأعمال بالتعاون مع مصرف لبنان وجمعية مصارف لبنان ومؤسسة التمويل الدولية IFC ، أعماله لليوم الثاني. فاستهل جلساته بجلسة حول مستقبل العقار والمقاولات في ظل الأزمة تحدث فيها كل من الرئيس التنفيذي لشركة صروح في الإمارات منير حيدر، ومدير عام الشركة اللبنانية لتطوير وإعادة إعمار وسط مدينة بيروت (سوليدير) منير دويدي، ورئيس مجلس إدارة شركة الحنو القابضة في السعودية عبد الله فهيد الشكره، والمدير الإقليمي لمجموعة جونز لانغ لاسال في الإمارات فادي موصلي وأمين عام الاتحاد العربي للتنمية العقارية د. أحمد مطر.
بداية، ركّز حيدر على أهمية استمرار النمو في القطاع العقاري والبنية التحتية في المنطقة العربية حتى في ظل الأزمة، لافتاً إلى وجود طلب حقيقي على الوحدات السكنية ينجم عن ضخامة أعداد الطبقة الوسطى في معظم دول المنطقة. واعتبر حيدر أن أحد أسباب الأزمة في القطاع العقاري في الإمارات هو النمو والربح السريعين، حيث وصل ربح الشركات العقارية في بعض الأحيان إلى نسبة 75 في المئة فيما الربح الطبيعي هو بحدود 12 في المئة.
وأشار موصلي بدوره إلى أن دبي كانت رائدة في قطاع العقارات على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، وأن هذا القطاع هو المساهم الأكبر في إجمالي الناتج المحلّي للدولة. ولفت إلى أن الأزمة الحقيقية بدأت قبل صيف العام 2008 على أثر مشاكل في بعض شركات العقار. وأشار موصلي إلى مشكلة خاصة بسوق دبي وهي توافر عرض كبير مقابل طلب ضعيف.
واعتبر الشكره أن القطاع العقاري أخذ النصيب الأوفر من تداعيات الأزمة المالية العالمية وخاصة في الدول التي تحول فيها سوق العقار إلى سوق مضاربة. وأضاف أن ما حصل لا يعني وجود قصور في الأدوات اللازمة للمراقبة والمحاسبة، لكن ما ينقص هو التشدد في تطبيق القوانين وتهيئة سلطات قادرة على مراقبة وضبط قوى السوق وإقناعها أو إلزامها بالرجوع إلى حالة التوازن.
وتحدّث الدويدي عن قطاع العقارات في لبنان منوهاً بقدرة هذا القطاع على الاستمرار في ظل الأزمة المالية الراهنة. وأشار إلى أن قوة سوق العقار في لبنان تكمن في كون الطلب على العقارات هو طلب داخلي حتى من اللبنانيين العاملين في الخارج، ما يجعله طلبا مستداما بعكس ما حصل في منطقة الخليج حيث أن معظم الزبائن هم من خارج هذه الدول. وأضاف أن هذا الأمر حال دون حصول انهيارات أو انخفاض في أسعار العقارات في لبنان. وتوقع أن تعود الأسعار للانتعاش في المستقبل القريب.
أما عيّاش فقال إن سبب تأثر لبنان بالأزمة المالية هو عدم امتلاكه الموارد والفوائض المالية كما في أسواق أخرى لدعم المطورين العقاريين. مشيراً إلى جهود كبيرة على هؤلاء المطورين بذلها للحفاظ على موقعهم في السوق. ومن هذه الجهود إنشاء مشاريع مميزة ومفيدة للعملاء المستهدفين وتقديم قيمة مضافة لهم، مع ضرورة أن تحمل هذه المشاريع هوية البلد الثقافية الذي تبنى فيه.
وتحدث مطر عن الاتحاد العربي للتنمية العقارية الذي تم تأسيسه مؤخراً بعضوية 22 دولة عربية تحت مظلة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، مشيراً إلى أن دور هذا الاتحاد بالدرجة الأولى هو حماية وتطوير الثروة العقارية في كل دولة عربية وتوفير السكن الملائم لكل مواطن عربي.
ولفت مطر إلى وجود إمكانات نمو مهمة في القطاع العقاري العربي رغم الأزمة. ومن أبرز هذه الإمكانات النمو السكاني المتسارع حيث يصل عدد الولادات في المنطقة إلى نحو 8 ملايين طفل سنوياً. كما أن هناك 3 ملايين حالة زواج سنوياً في المنطقة، ما يضمن استمرار الطلب على العقار.
وناقشت جلسة "فجوة التمويل ومستقبل الصناعة المصرفية" التي أدارها رئيس اتحاد المصرف الكويتية عبد المجيد الشطي وتحدث فيها كل من رئيس بنك HSBC الشرق الأوسط يوسف نصر، ورئيس رئيس مجلس إدارة المجموعة بنك لبنان والمهجر د. نعمان الأزهري، والرئيس التنفيذي والعضو المنتدب في البنك العربي الوطني د. روبير عيد، والأمين العام لجمعية مصارف لبنان د. مكرم صادر، ونائب نائب الرئيس لإدارة المخاطر في مؤسسة التمويل الدولية (IFC) ميشال مايله. وناقش المتحدثون دور الحكومات في سد هذه الفجوة ودور المصارف وأسواق المال المحلية. كما تطرقوا إلى مرتكزات المرحلة المقبلة للصناعة المصرفية في المنطقة وكيفية دعم المصارف لاحتواء مفاعيل المرحلة المقبلة من الأزمة.
وترأس وزير الصناعة اللبناني غازي زعيتر جلسة "الأزمة والصناعات العربية" التي تخللها مداخلات لرئيس مجلس إدارة شركة التصنيع الوطنية مبارك بن عبدالله الخفرة، ووكيل وزارة التجارة والصناعة السعودية لشئون الصناعة د. خالد بن محمد السليمان، ومدير عام المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين محمد بن يوسف، ووزير التجارة والصناعة الكويتي السابق د. يوسف زلزلة، ووكيل أول في وزارة التجارة والصناعة المصرية ورئيس التمثيل التجاري المصري ممدوح مصطفى، والرئيس التنفيذي لمجموعة مؤسسات نحاس صائب نحاس. وناقشت هذه الجلسة انعكاسات الأزمة على الصناعات العربية ومخاطر عودة سياسات الحماية على الصناعة، وضرورة اعتماد سياسات جديدة وايجاد حلول لقضية التمويل.
وكان اليوم الأول من منتدى الاقتصاد العربي شهد انعقاد 3 جلسات عمل. فانعقدت الجلسة الأولى تحت عنوان اتجاهات الأزمة وكيفية مواجهة انعكاساتها على الاقتصادات العربية". وترأسها وزير المالية الكويتي السابق بدر الحميضي وتحدث فيها: مدير الشرق الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي مسعود أحمد، ووزير المالية اللبناني السابق د. جهاد أزعور، ورئيس الغرفة الإسلامية للصناعة والتجارة الشيخ صالح عبد الله كامل، والاقتصادي السعودي د. عبد الله القويز، والرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "دويتشه بنك" د. هنري عزام.
قدم مسعود احمد ورقة عمل، تناولت صورة مستقبل الاقتصاد العالمي وتأثيرات الأزمة المالية، مشيراً إلى أن، "التأثير على النشاط الاقتصاد العالمي كان قاسياً، حيث أظهرت أرقام الربع الأول من السنة الحالية تراجعاً يفوق توقعات المؤسسات الدولية، في حجم الاقتصاد الأميركي والأوروبي والاقتصاد الياباني. أما في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فلفت أحمد إلى أنها "تكاد تكون الأقل تأثراً بالأزمة نتيجة عاملين أساسيين، أولهما عدم وجود أصول مسمومة في ميزانيات القطاع المصرفي، والعامل الثاني اعتماد الدول النفطية موازنات توسعية وإنفاق مرتفع وضخ السيولة في الأسواق، رغم ما تسبب به ذلك من بروز عجز في ميزانياتها لأول مرة منذ سنوات .

أما د. أزعور فلفت إلى "بروز تحولات بنيوية ضخمة على مستوى الاقتصاد العالمي في ظل أزمة سببت كسادا قد يستمر لفترة طويلة." ولفت "إلى صعوبات واجهتها دول مجموعة العشرين لتنسيق جهودها ولاتفاق على سبل الخروج من الأزمة." وأشار إلى انه "على الرغم من كونها الأقل تأثراً، فإن دول المنطقة ليست بمنأى عن الأزمة وتداعياتها. وفي الوقت الذي تعتبر الدول النفطية في المنطقة أكثر تأثراً من تلك غير النفطية نظراً لارتباط اقتصاداتها بأسعار النفط، إلا أن قدرتها على المجابهة عبر السياسات المالية والنقدية تبقى أقوى. ودعا الشيخ صالح كامل إلى "وضع نظام عالمي مالي جديد وفق أسس مبنية على القيم الأخلاقية ومعايير للرقابة لا تستثني الدول الصناعية. في ظل ما أظهرته الأزمة من سوء إدارة للنشاط المصرفي العالمي، وغياب أي محاسبة جنائية". كما لام كامل مؤسسات التصنيف الائتماني، على سوء تقييمها لواقع العديد من المصارف العالمية، مانحةً إياها تصنيفات عالية لا تعكس حقيقة أوضاعها المالية. ولفت إلى أن "العمل المصرفي الإسلامي اثبت خلال تلك الأزمة متانته، في ظل اعتماده على تمويل الاقتصاد الحقيقي عوضاً عن المتاجرة بالديون والاستثمار في المشتقات المالية." بدوره،عرض د. القويز للإجراءات التي اتخذتها السعودية في مواجهة الأزمة منها تخصيص حوالي 13 في المئة من إجمالي ناتجها المحلي للاستثمار في السوق السعودية، وقيام وزارة المالية بضخ السيولة في القطاع المصرفي، وتوسع "صندوق الاستثمارات العامة" في إقراض الشركات وزيادة آجال تلك القروض إلى حدود خمس سنوات، إضافة إلى الإجراءات التي اتخذتها مؤسسة النقد العربي السعودي.
أما د. عزام فأشار إلى أن "دورة الكساد التي يشهدها العالم حالياً هي دورة هيكلية، ما يعني إمكانية استمرارها لفترة طويلة." وعرض لجملة مظاهر حملتها الأزمة حتى الآن منها:ارتفاع مستوى مخاطر إفلاس الشركات، سيما تلك ذات التصنيف الائتماني ما دون A، ارتفاع أسعار الفوائد على السندات الحكومية بما فيها ذات التصنيف المرتفع، مثالا على ذلك السندات التي أصدرتها مؤخراً حكومة أبو ظبي والتي تراوحت أسعار الفوائد عليها ما بين 6 في المئة لسندات الخمس سنوات و7 في المئة لسندات العشر سنوات، قيام المصارف العالمية بتقليص المديونية في ظل غياب الضمانات الكافية، وتراجع واضح في الإقبال على الاستهلاك لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية التي يشكل النشاط الاستهلاكي نسبة 70 في المئة من حجم ناتجها المحلي، وإرتفاع مستوى الادخار إلى حدود 5 في المئة. مع ما يحمله ذلك من تأثيرات على كامل الاقتصاد العالمي، في ظل استحواذ الاقتصاد الأميركي على حوالي 25 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي.
أما الجلسة الثانية من اليوم الأول والتي أدارها رئيس مجلس ادارة شركة عمون الدولية للاستثمارات المتعددة د. محمد الحلايقة فتمحورت حول الاستثمار في التعليم والثروة البشرية وتحدث فيها كل من وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان بهية الحريري والرئيس والعضو المنتدب في مجموعة عارف الاستثمارية د. علي الزميع. وركزت الوزيرة الحريري في كلمتها على أهمية التعليم في الحياة الإنسانية، منوهة بالاهتمام التي بدأت المنتديات توليه للتعليم وإن كان لم يبلغ حتى الآن المستوى المطلوب. ولفتت إلى الحاجة إلى إعادة الاعتبار لهذه القضية والتعامل معها بأنماط جديدة لمواكبة تطوراتها السريعة وتقنياتها الحديثة وتشعبها وارتباطها بسوق العمل واحتياجاته. وأشارت إلى أن قضية التعليم أصبحت في متناول الجميع ما أحدث استرخاءً في التعامل معها مما يؤدي إلى تراجع جودتها واتساع الهوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. وأرجعت ذلك إلى سوء إدارة العملية التربوية واعتبارها عملاً تخصصياً في حين هي في حقيقتها قضية وطنية اجتماعية اقتصادية سياسية بامتياز. ولفتت إلى ارتباط التعليم بالإنتاجية في العمل، حيث أن التنمية يجب أن تكون حقبة من العمل والإنتاج والنهوض لنبلغ مرتبة الدول المنتجة وغير المتعثرة.
وتحدث د. الزميع عن أهمية التعليم والتنمية في تطور الإنسان مشيراً أن المعرفة تاريخياً كانت مرتبطة بالدين بينما اليوم فمرتبطة بالتنمية. ولفت د. الزميع إلى أنه في السابق كانت الحكومات تدير المؤسسات التعليمية ولكن في الدولة الحديثة اتضح أن هناك عجزا في المؤسسات التي تديرها الدول من حيث التطوير والإبداع. وأكد الزميع أن الوطن العربي هو من أكثر دول العالم حاجة لمساهمة القطاع الخاص في قطاع التعليم مشيراً إلى أن نسبة الأمية تبلغ 30 في المئة وتقارب 50 في المئة بين النساء. كما أشار إلى أن الخصخصة دخلت إلى قطاع التعليم في بعض الدول العربية متخذة منحى جديداً يعنى بالتمنية البشرية. وتطرق إلى إيجابيات خصخصة التعليم ومنها كسر احتكار الدولة ورفع مستوى الجودة، أما السلبيات فتكمن في الاندفاع غير المدروس على الاستثمار في قطاع التعليم بغية تحقيق الربح دون ضمان الجودة، معتبراً أن ذلك عبارة عن مرحلة انتقالية لتحقيق التوازن بين العرض والطلب وتحقيق النوعية الجيدة على أن يكون البقاء للأفضل.
وتمحورت الجلسة الثالثة حول "الأزمة وتحديات الإستثمار والإصلاح"، وتحدث فيها كل من رئيس مجلس ادارة شركة عمون الدولية للاستثمارات المتعددة في الأردن د. محمد الحلايقة ووكيل المحافظ لشؤون الإستثمار في الهيئة العامة للإستثمار في السعودية د. عواد العواد، رئيس ومدير عام المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان "ايدال" نبيل عيتاني. بداية قدم د. حلايقة مداخلة سريعة تركزت حول أهمية الإلتزام بعمليات الإصلاح في البلدان العربية وعدم ربطها بتداعيات الأزمة المالية العالمية. وقال "الإصلاح ضرورة وليس ترفا" معتبرا أن الدول التي تظن أنها تستطيع إيقاف عمليات الإصلاح "تخطئ بحق نفسها". وميّز د. الحلايقة بين بلدان المنطقة من حيث التأثر بالأزمة فوضع البلدان النفطية في مستوى والبلدان غير النفطية في مستوى آخر. ونصح البلدان غير النفطية بمواصلة عمليات الإصلاح الإقتصادي لأنها تساعد الحكومات خلال الأزمات كما خلال مراحل الفورات الإقتصادية. وأشار الى ان "كعكة الإستثمارات الناتجة عن الفوائض النفطية العربية تقلّصت وبات بالتالي على البلدان العربية التي كانت تستفيد من هذه الكعكة أن تتوقع تقلّص حصتها". أما د. العواد فتحدث عن الجهود والمبادرات التي أطلقتها الهيئة العامة للإستثمار في السعودية. وقال أن أول أمر فكرت فيه الهيئة هو "ما الذي يجب فعله لتشجيع الإستثمار في السعودية وكيف؟" وكان الجواب الرئيسي هو رفع تنافسية مناخ الإستثمار. وقال أن هدف الهيئة هو "إيصال المملكة إلى مصاف أول 10 دول في العالم من حيث التنافسية في مناخ الإستثمار". ولتحقيق هذه الأهداف بدأت الهيئة بتطبيق مجموعة خطط وسياسات تقود إلى جعل عملية الإستثمار سهلة وسريعة وواضحة خصوصا على مستوى الإدارات العامة وكل ما له علاقة بالمستثمر. وإعتبر د. العواد أن النتائج المحققة حتى الآن في الهيئة جيدة وإيجابية بالنسبة للمملكة ولمجتمع الإستثمار عموما. وشدد على ان الهيئة تركز على العوامل التي تُعد من الميزات التفاضلية للمملكة. وقال ان المملكة تدرس إمكانية التحوّل الى "عاصمة الطاقة" في العالم.
وشدد عيتاني في كلمته على أن المناقشات التي تتناول الأزمة المالية العالمية أحيانا تصيب ولكنها في أحيان أخرى تكون بعيدة عن الحقيقة. وإعتبر أن البلدان التي تمتلك بنية تشريعية واجراءات فعالة على المستوى الاقتصادي واجهت الأزمة بطريقة أفضل كونها تتمتع بما يشبه "المناعة الاقتصادية". وإعتبر أن لبنان أثبت خلال الأزمة أن لديه مناعة وقوة اقتصادية نظرا للإصلاحات التي قام بها في الفترة الماضية. ثم عدّد التداعيات التي يمكن أن تصيب لبنان نتيجة للأزمة ومن بينها تداعيات قد تكون غير مباشرة ومستقبلية. وذكر إحتمال تراجع قيمة تحويلات المغتربين اللبنانيين، وإن كان ذلك لم يتم حتى الآن. ثم ذكر مجموعة أخرى من التداعيات المحتملة مثل عودة المغتربين اللبنانيين الى لبنان وتعرّض الإستثمارات اللبنانية في الخارج الى مشاكل. كذلك ذكر إحتمال تأثر صادرات لبنان الى الخارج وإمكانية انخفاض حجم الإستثمارات الخليجية والعالمية.