اختتم مؤتمر مؤسسة الفكر العربي الذي انعقد في الكويت، جلسات اليوم الثاني والأخير ب 5 جلسات عمل وكلمة رئيسية تناولت بعض التحديات التي تواجه تحقيق التكامل العربي بالإضافة إلى التطلعات المستقبلية لتحقيقه، مع الأخذ بعين الاعتبار تجربة دول مجلس التعاون الخليجي كنموذج ونواة في تحقيق التكامل العربي الشامل، مع التركيز على أهمية دور القطاع الخاص في تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي.
الجلسة الأولى
تناولت الجلسة الأولى من أعمال المؤتمر في يومه الثاني الأمن الغذائي والزراعة العالمية "العرب ...الزراعة ... ومخاوف الجماعة" والتحديات التي تواجه القطاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأدارها مدير المركز اللبناني للدراسات في لبنان أسامة صفا، وتحدث فيها كل من المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "غلوبل اليانس فور أمبروفد نوتريشون" محمد منصور، المدير العام لمؤسسة الصوامع المؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق بالمملكة العربية السعودية وليد الخريجي ورئيس الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي في السودان علي الشرهان.
وقال منصور أن معظم دول المنطقة تعد مستوردة للكثير من الموارد الطبيعية الزراعية، وهي بذلك تعاني عجزاً في توفير الاكتفاء الذاتي الزراعي مشيراً إلى أن تحديات جديدة ظهرت خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة حيث ارتفعت أسعار القمح والحبوب والزيوت بنسبة تراوحت بين 130 إلى 180 في المئة بسبب العديد من المشاكل التي تعانيها بعض الدول التي لا يتوافر لديها القدرة المالية للشراء بتلك الأسعار، وهذا الواقع خلق نوعا من الهشاشة لدى هذه الدول بسبب محدودية المصادر الطبيعية لديها وقلة المساحة الزراعية، هذا بالإضافة إلى التحدي الناتج عن النمو الديموغرافي، وقد نتج عن هذه الأسباب تحديات أخرى على المستوى الصحي كالبدانة وسوء التغذية عند الأطفال.
أما الخريجي فاستعرض لواقع القطاع الزراعي في السعودية وأهمية الدور الذي لعبه الدعم الحكومي في تطوير القطاع، وساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي على مستوى العديد من المنتجات. ولكن بالمقابل قال أن القطاع سيواجه تحديات مستقبلية نتيجة الظروف والمتغيرات المحلية والدولية مما يستوجب اتخاذ الإجراءات والترتيبات الكفيلة بالحد من آثارها السلبية، ويأتي في مقدمة هذه التحديات ضرورة معالجة الخلل في تريب أولويات السياسات والبرامج الزراعية السابقة، عدم تنويع القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد المحلي، استمرار هجرة أبناء المناطق الزراعية للمدن، ضعف الجهاز التسويقي الزراعي وازدياد العجز في الميزان التجاري الغذائي، ضعف ومحدودية الخدمات الزراعية المساندة، وتوطين العمالة في القطاع الزراعي وأخيراً تقليص حجم التدخل الحكومي. وأضاف أن القطاع يواجه أيضاً على المستوى العالمي عدة تحديات وأهمها تداعيات الاندماج والترابط بين أجزاء الاقتصاد العالمي وفعالياته المختلفة.
بدوره أوضح الشرهان أن توفر الطعام يعد من المقومات الرئيسية للحياة والحصول عليه يساهم في استقرار المجتمعات مشيراً إلى التغيرات الاقتصادية والمناخية والتي نتج عنها تحديات جديدة ألقت بظلالها على الأمن الغذائي العربي ومستقبله خصوصاً لجهة الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية الأساسية وتراجع المخزون إلى مستويات متدنية. ولفت إلى أن الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي تهدف إلى توحيد جهود الدول العربية في مجال تحقيق الأمن الغذائي العربي عن طريق الاستثمار في المشاريع الزراعية وتنفيذ برامج الإنماء الزراعي ضمن مشاريعها الاستثمارية. كما أوضح أن الهيئة تسعى إلى وضع رؤية تحقق أهدافاً ستراتيجية عبر أربعة محاور رئيسية هي: تنمية الموارد البشرية، دور الموارد البشرية في العمليات الإنتاجية وفي العمليات الاستهلاكية، أما البعد الثاني فيركز على الاهتمام بدور الأعلام الزراعي فيما يهتم البعد الثالث في حشد الطاقات في حين البعد الأخير فيركز على موضوع التكامل الزراعي العربي.
الجلسة الثانية
أما الجلسة الثانية فعقدت تحت عنوان النموذج المالي الإسلامي طارحة تساؤلاً مهماً حول دور الصيرفة الإسلامية في إنقاذ الاقتصاد العالمي، وأدارها الشريك والمدير للشراكة القائمة بين مكتب الدكتور سعود العماري للمحاماة وشركة بليك وكاسلز وجرويدن ذات المسؤولية المحدودة في السعودية والخليج سعود العماري، المدير السابق لبرنامج دراسات الشريعة الإسلامية فرانك فوغل، شريك شركة (نورتون روز) البريطانية في الإمارات نيل ميلر، المدير التنفيذي للاكاديمية العالمية للبحوث الشرعية في ماليزيا محمد اكرم لالدين ورئيس مجلس إدارة البنك العربي الإسلامي الدولي تيسير الصمادي.
وأوضح فوغل بان مفهوم نظام المال بصفة عامة مبني على المضاربة وهذا ممنوع في الإسلام، مما جعل الفقهاء ينكبون على دراسة هذه المسالة للخروج بحلول أسلامية فاعلة، علماً أنهم نجحوا في الخروج بعدة حلول مشيراً إلى وجود أنشطة ناجحة تقدمها الصناعة المالية الإسلامية إلا أن المؤسسات المعنية تطلب من الفقهاء تطوير التمويل بشكل مستمر. وفيما يتعلق بملكية الصكوك فقد قال فوغل إننا نجد بعض الشوائب التي تشوب عملية الصكوك في الوقت الحالي وسوف نطرح بعض التعليمات الخاصة بقانون مكافحة الإفلاس، مشددا على انه مازال هناك عدم استقرار بالنسبة لعملية بيع الصكوك، وهو ما يتطلب توحيد المعايير بالنسبة للفتاوى الصادرة في هذا الإطار.
أما ميلر فأشار إلى اختلاف التمويل الإسلامي عن النظم الأخرى كونه يعمل في إطار حديث مشيراً إلى وجود تحديات يجب تجاوزها كما أن هناك مبادئ أخلاقية تعتمد عليها المؤسسات الإسلامية يجب الالتزام بها موضحا أن التمويل الإسلامي يهدف إلى مساعدة كافة القطاعات الاقتصادية بشكل فاعل وذلك نابع من أحكام الشريعة الإسلامية. وأكد على أن الدول الغربية يمكنها الاستفادة من نظام التمويل الإسلامي نظرا لتمتع الشريعة الإسلامية بمخزون ضخم من التشريعات.
بدوره أوضح محمد اكرم لالدين أن التمويل الإسلامي ليس كاملا ولكنه يتمتع بخصائص جعلته ناضجا من الناحية العملية مشيرا إلى أهمية الأطر الأخلاقية التي يوفرها هذا النظام في إضفاء الثقة والاستقرار. كما تطرق إلى تحريم بعض العمليات التجارية كمنع بيع الديون والاتجار بالأوراق المالية. كما ركز على بعض على بعض الأساسيات التي يجب الاعتماد عليها بهدف تقوية النظام المالي الإسلامي وإكسابه المزيد من الفاعلية والتأثير في النظام المالي العالمي كالتعليم والتدريس وتخريج كوادر مؤهلة علميا لاستيعاب مفاهيم الشريعة.
بالمقابل تطرق الصمادي إلى الأزمة المالية التي نبعت من وجود عمليات مالية ومضاربات والمتاجرة بأصول مسمومة مع الابتعاد عن الأخلاقيات مشيراً إلى الاختلاف بين النظامين الإسلامي والتقليدي، ولفت إلى انه وعلى الرغم من أن المصارف الإسلامية تواجه عدة تحديات في عدم توفر البيئة الملائمة إلا أن النظام المالي الإسلامي يشهد ارتفاعاً في الطلب على خدماته مما يمكنه من تقديم نموذج جديد للنظام المالي العالمي خصوصاً لجهة أخلاقيات التعامل بين العميل والمصرف.
كلمة رئيسية:
ثم استعرض رئيس مجلس إدارة مجموعة تشكيل الأعلام نايف المطوع فكرة "99" التي أطلقتها الشركة منذ تأسيسها في العام 2005 والتي جاءت بغرض توصيل الفكر الإسلامي للعالم، من خلال الشخصيات الكرتونية. وقد استطاعت تحقيق تطور في نشر المفاهيم الإسلامية مشيرا إلى أن إطلاق رسومات إسلامية تضاهي مثيلتها الغربية خطوة ايجابية لإبداء وجهة نظر العالم الإسلامي كما يبدي العالم الغربي مفاهيمه ووجهات نظره من خلال رسومات مشابهه. وأضاف المطوع أن إطلاق رسومات كرتونية تنافس ما أنتجه الغرب مثل سوبرمان، لم يكن بالأمر السهل، ولكن استطاعت مجموعة شخصيات 99 أن تصل وتغزو الأسواق الغربية وتغرس المفاهيم الإسلامية، مشيرا إلى أن جميع وسائل الإعلام العالمية أشادت بتجربة الشركة الريادية.
الجلسة الثالثة
تناولت الجلسة الثالثة تحديات الثروة البشرية العربية وهموم البطالة، وأدارتها الكاتبة والناشطة التونسية سمر مزغني، وتحدث فيها نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة البنوي الصناعي والرئيس الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا لجمعية الرؤساء الشباب وليد البنوي ورئيس مجلس إدارة فرع القيادات العربية الشابة في دولة الإمارات سلطان القاسمي.
وقال البنوي ان دعم المشاريع التنموية للقطاع الخاص من شأنها رفع مخرجات التعليم في الوطن العربي وربط التعليم بالتوظيف حيث يساعد هذا الربط على رفع القدرة الإنتاجية والجاهزية للشباب الذي يفضل العمل في القطاع الخاص مشيراً إلى أن الشباب القادر على العمل في القطاع الخاص تجده عضوا فاعلا في مجتمعه ويستطيع أبراز أثره وعمله على عكس بعض الشباب الذي يعمل في القطاع العام حيث قد يكون عالة مالية على الدولة. ولفت إلى وجود حلول عدة تستطيع الدولة من خلالها رفع القدرة الإنتاجية والعملية لشبابها منها تغيير لغة الحوار وبث اللغة التنافسية فيما بينهم لكي يستطيعوا مواجهة جميع الصعاب التي قد يواجهوها. ولفت إلى أن القطاع الخاص هو الأكثر استفادة من مخرجات التعليم القوي أو المهني خصوصا وان العمل في القطاع العام لا يستفيد من هذه الطاقات على أكمل وجه.
أما سلطان القاسمي فلفت إلى أن منظمة القيادات العربية الشابة ضمت نحو500 منتسب من 9 بلدان عربية وعملت على تعريف الشباب العربي بالطاقات التي يمتلكونها وتوجيه هذه الطاقات لخدمة أوطانهم مع تشجيعهم على تولي الوظائف في القطاع الخاص. وأضاف أن المواد الدراسية والبحثية الآتية من الغرب تقتصر على قصص النجاح التي حصلت في هذه المجتمعات، وتطرق إلى الجهود التي بذلت لتغيير هذا المفهوم من خلال التطرق إلى قصص نجاح في العالم العربي، وشدد على أهمية اعتماد مناهج تعليم جديدة. وأضاف انه من الممكن أن تكون مخرجات عام واحد من الجامعات المهنية تفوق مخرجات أربعة أعوام دراسة في الجامعات التي تعتمد على التلقين في نظامها مبينا أن صندوق تنمية الموارد البشرية في السعودية انفق ما يزيد عن 638 مليون ريال سعودي لتدريب الشباب مما سمح بتدريب 12 ألف شخص من خلال هذا الصندوق.
الجلسة الرابعة
انعقدت حول تجارب الشركات العائلية، وأدارها المدير التنفيذي في شركة أي أم دي انترناشيونال في سويسرا هشام العجمي العجمي، وتحدث فيها رئيس مجلس الادارة والعضو المنتدب لشركة بيان للاستثمار فيصل المطوع، نائب رئيس مجلس ادارة ونائب الرئيس التنفيذي لشركة يوسف بن أحمد كانو في السعودية عبدالعزيز كانو والشريك بشركة برايس وتر هاوس كوبرز في الامارات أمين ناصر.
وتحدث العجمي عن حجم التأثير الذي تركته الأزمة المالية على الشركات العائلية مشيراً إلى أن وكالات التصنيف لم تعط أي مؤشرات لما سيحدث لهذه المؤسسات، ولم يكن أحد يتوقع ما حدث، خاصة وأن المؤشرات كانت تشير إلى أن هذه الشركات كانت تؤدي بشكل جيد.
وأضاف العجمي أنه في العام 2008 ظهرت حالات إفلاس لعدة مصارف ومؤسسات عالمية كما أن الدول العربية لم تكن بمنأى عن هذه الأزمة وشهدت تعثر بعض المجموعات. واستعرض التحديات التي واجهت الشركات العائلية في العالم العربي كالتوارث حيث نتج عن انتقال المؤسسات من الجيل الثاني إلى الثالث تحديات حول تنوع العمل، وكيفية مواجهة انفتاح الأسواق.
أما المطوع فقال أنه جاء في تقرير صادر عن (Dow Jones Private Eguity) ان نسبة 90 في المئة من النشاط التجاري في دول الخليج العربي يدار من قبل شركات عائلية يفوق عددها الـ 5.000 شركة وتملك اصولاً تفوق قيمتها 500 مليار دولار وتوفر ما نسبته 70 في المئة من فرص العمل. وتوفر هذه الشركات فرص عمل ومواقع قيادية لأفراد العائلة ومشاركة في الإدارة وتوارثها مشيراً إلى أن الشركات العائلية في الخليج تشكل الخط الثاني في الاستثمارات بعد الحكومة من خلال تواجدها في قطاعات حيوية. ولفت إلى هذه الشركات ستبقى سيدة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والمصدر الأهم لفرص العمل المنتج، والمخزون الأكبر الذي يغذي الطبقة الوسطى ويدعمها لتحافظ على التنمية المستدامة والتوازن الاجتماعي، في حين أن المشاريع الكبيرة تتطلب منها التحول إلى شكل قانوني يوسع قاعدة الملكية دون أن يلغي المسحة العائلية على أن تترافق مع تطوير التشريعات التجارية.
الجلسة الخامسة:
انعقدت تحت عنوان التكامل كنموذج للتكامل العربي، وأدارها أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت شفيق الغبرا، وتحدث فيها المستشار في الديوان الأميري في دولة الكويت د.يوسف الإبراهيم والخبير الاقتصادي د. عبد الله القويز.
وتحدث د. القويز عن انجازات مجلس التعاون وإطلاق منطقة التجارة الحرة وبعدها الانتقال إلى الاتحاد الجمركي قبل أن يبدأ في العام الماضي تطبيق السوق المشتركة مشيراً إلى أهمية تحقيق المواطنة الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي، التي تكفل قيام أي مشروع تجاري بين مختلف مواطني دول مجلس التعاون في أي دولة من الدول الخليجية وأكد على أن الاتحاد الجمركي يعد صيغة مشتركة تهدف إلى المزيد من الحرية، وان كان يطبق بصورة جزئية ولكنه ساهم في رفع التجارة البينية بين دول مجلس التعاون. ولفت إلى أن الإمارات ستلحق بالوحدة النقدية أسرع لسببين؛ كونها من أكبر دولة المنطقة انفتاحاً على العالم بالإضافة إلى دورها في تأسيس مجلس التعاون الخليجي. ورأى أن مجلس التعاون الخليجي سيشكل نقطة لانطلاق العمل الاقتصادي العربي المتكامل. أما على مستوى التحديات فأشار إلى أن البيروقراطية تعد أكبر تحدٍ يواجهه المجلس وتسبب في بطء في اتخاذ القرارات وتنفيذها وتحول دون تسريع عملية التنمية.
بدوره لفت د. الإبراهيم إلى أنه يجب النظر لتجربة مجلس التعاون على أنها مقياس من مقاييس نجاح الشعوب مع أننا يجب أن نقر بأن هناك إخفاقات وهناك أيضاً نجاحات تحسب لمجلس التعاون، ولكن يجب أن ننظر لهذا النموذج على أنه نموذج تنموي ساهم في تنمية العديد من القطاعات بل أنه النموذج العربي الوحيد الذي نجح نجاحا كاملا. وحول الإتحاد الجمركي فقال انه يعكس مدى التكامل والتعاون المشترك، مشيرا إلى أنه سيتم خلال القمة الخليجية المقبلة الإعلان عن بدء العمل بالعملة الموحدة وهي خطوة مهمة على طريق تحقيق التكامل العربي المشترك. أما فيما يتعلق بالسكك الحديدية التي تربط دول مجلس التعاون فأشار إلى انه يجب التركيز أولا على البينة التحتية كونها الأساس لقيام مثل هذا المشروع الضخم، واعتبر أن قيام هذا المشروع سيشكل فرصة لتحقيق المزيد من التكامل والترابط بين دول المجلس.